سميح عاطف الزين

300

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الاستخفاف بالدعوة وتجاهلها ، والتقليل من شأنها ، وفي حسبانهم أنها الوسيلة الأفضل التي تبقي الناس غير مبالين ، ولا يعيرون محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأتباعه أي اهتمام ، فتختنق دعوته في مهدها ، ويذهب ريحها . هكذا سيطر الظن الأحمق على قريش فقعدت على أمجادها غير مبالية . ولكن ، وعلى خلاف أصحاب الامتيازات ، فإن الطبقة المستضعفة التي سلبوها كل شيء ، حتى الحرية ومشاعرها الإنسانية ، فعاشت تحت الضغط والظلم والاستعباد ، قد رأت في الدعوة الجديدة ما يفتح أمامها أبواب الخلاص ، والعدالة الإنسانية ، فأقبلت عليها تتنسّم أخبارها ، وتتعرّف إلى تعاليمها ، فتتهافت على الدخول فيها ، لأنها وجدت فيها روحا وريحانا لقلوبها وإشعارا بوجودها . وكيف لا تعتنق تلك الطبقة العقيدة الحقة وهي التي تجعلها بشرا مثل غيرها ، لا قطيعا من الناس مثل قطعان الأغنام والإبل التي ترعاها . لذلك كانت الاستجابة عفوية وطبيعية من كل مستضعف يختزن في قلبه الشوق إلى الأمن ، وتمتلئ أعماقه بالصرخة إلى الإخاء والمساواة ، فاندفع إلى عقيدة التوحيد ملهوفا ، طائعا مختارا ، لا ترهبه تحذيرات أسياده ، ولا تهديداتهم بإنزال أقسى العذاب والبطش به . وانقضت السنوات الثلاث ، ووضع المسلمين على هذه الحالة دون أي تغيير يذكر . يذهبون للصلوات في شعاب مكة ، ويستخفون عن الأعين في دار الأرقم بن أبي الأرقم . يوصون بعضهم بالكتمان ، وينبّهون من يأنس قلبه إلى الإسلام أن يحاذر من ذيوع أمره ، وأن يسير على نفس الوتيرة التي يسيرون عليها من الكتمان والسرية . .